الآخوند الخراساني

28

كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )

حيث لا يكون هناك أمرٌ يقصد أصلا . وبالجملة : مع الجهل قصوراً بالحرمة موضوعاً ( 1 ) أو حكماً ( 2 ) يكون الإتيان بالمجمع امتثالا وبداعي الأمر بالطبيعة لا محالة . غاية الأمر أنّه لا يكون ممّا تسعه بما هي مأمورٌ بها لو قيل بتزاحم الجهات في مقام تأثيرها للأحكام الواقعيّة ; وأمّا لو قيل بعدم التزاحم إلاّ في مقام فعليّة الأحكام لكان ممّا تسعه وامتثالا لأمرها بلا كلام ( 3 ) .

--> ( 1 ) بأن لم يعلم بالغصب في المثال المعروف . ( 2 ) بأن لم يعلم حرمة الغصب - مثلاً - . ( 3 ) ومنتقى ما أفاده المصنّف ( رحمه الله ) إلى هنا أنّ المجمع يختلف حكمه باختلاف الأقوال والحالات . بيان ذلك : أنّه لا يخلو : إمّا أن نقول في المقام بجواز اجتماع الأمر والنهي ، وإمّا أن نقول بامتناعه . وعلى الثاني إمّا أن يقدّم جانب الأمر ، وإمّا أن يقدّم جانب النهي . وعلى الثاني إمّا أن يكون المجمع توصّليّاً ، وإمّا أن يكون عباديّاً . وعلى الثانيّ إمّا أن يكون الفاعل ملتفتاً إلى الحرمة ، وإمّا أن لا يكون ملتفتاً إليها . وعلى الأخير إمّا أن يكون عدم التفاته إليها عن تقصير وإمّا أن يكون عن قصور . ففي المقام ستّة صور : ولكلّ صورة حكم خاصّ : أمّا الصورة الأولى : فحكمها سقوط الأمر وحصول الامتثال بإتيان المجمع مطلقاً ، في العبادات والتوصّليّات . أمّا في التوصّليّات : فلأنّ الغرض منها صرف وجودها في الخارج ، فلا يعتبر فيها كيفيّة خاصّة . وأمّا في العبادات : فلأنّ المفروض عدم اتّحاد العبادة مع الحرام ، فارتكاب الحرام - كالغصب - لا يوجب فسادها ، بل تنطبق على المجمع الطبيعةُ المأمور بها ، غاية الأمر يستلزم معصيته للنهي أيضاً . وأمّا الصورة الثانية : فحكمها سقوط الأمر بإتيان المجمع من دون ارتكاب معصية ، لأنّ المفروض أنّه لا نهي في المقام حتّى يكون المجمع منهيّاً عنه . وأمّا الصورة الثالثة : فحكمها سقوط الأمر بإتيان المجمع ، لأنّ الغرض منه يحصل بمجرّد وجوده ولو كان في ضمن فعل محرّم . وأمّا الصورة الرابعة : فحكمها فساد العبادة . وذلك لأنّ صحّة العبادة تتوقّف على أمور : 1 - أن يكون الفعل في نفسه قابلاً للتقرّب . 2 - أن يقصد المكلّف التقرّب به . 3 - أن لا يكون صدوره منه قبيحاً ومبغوضاً . أمّا الأمر الأوّل وإن كان موجوداً في هذه الصورة ، لأنّ الفعل يشتمل على الملاك فيكون في نفسه قابلاً لأن يتقرّب به ، إلاّ أنّ الأمر الثاني والثالث غير موجودين هنا ، ضرورة أنّ المجمع عندئذ لا يكون مصداقاً للمأمور به ، ومع الالتفات إلى الحرمة لا يمكن قصد التقرّب به ; مضافاً إلى أنّه بما كان عالماً بالحرمة فصدوره منه يكون قبيحاً ومبغوضاً . وأمّا الصورة الخامسة : فحكمها فساد العبادة . وذلك لأنّ الأمر الأوّل والثاني وإن كانا موجودين هنا ، إلاّ أنّ الأمر الثالث من الأمور المعتبرة في صحّة العبادة غير موجود ، ضرورة أنّ جهله كان عن تقصير - أي يتمكّن من العلم ولم يعلّم - ، فيكون صدور الفعل منه قبيحاً بل مبغوضاً للمولى ، فإذن لا تكون العبادة صحيحةً . وأمّا الصورة السادسة : فحكمها صحّة العبادة وسقوط الأمر بإتيان المجمع . وذلك لتوفّر الأمور الثلاثة فيها . أمّا الأمر الأوّل : فلاشتمال الفعل على ملاك الوجوب ، فيكون قابلاً للتقرّب به ; والجهل بالحرمة بما أنّه كان عن قصور يمنع عن فعليّة الحرمة ، والحرمة غير الفعليّة لا تمنع عن قابليّة العبادة للتقرّب . وأمّا الأمر الثاني : فلأنّ المفروض أنّ المكلّف متمكّن من قصد القربة في هذا الحال . وأمّا الأمر الثالث : فلأنّ جهله كان عن قصور ، فلا يقدر على العلم ويكون صدور الفعل منه حسناً . فإذاً لا مانع من الحكم بصحّة العبادة في هذه الصورة . وإنّما الكلام في أنّه هل تنطبق الطبيعة المأمور بها على المجمع في هذه أو لا تنطبق ؟ وهل يصدق على إتيان المجمع - عندئذ - امتثال الأمر أو لا يصدق ؟ فيه وجوه : الأوّل : أنّه لا يصدق عليه عنوان امتثال الأمر . وذلك لأنّ الأحكام تابعةٌ للمصالح والمفاسد الواقعيّة من دون إناطتها بالعلم بتلك الملاكات . وعليه تكون العبادة حراماً ، لتبعيّة الحرمة لملاكها النفس الأمريّ ، وهو المفسدة الغالبة على المصلحة - كما هو المفروض على القول بالامتناع وترجيح جانب النهي - ، حيث إنّ الحكم تابعٌ لأقوى الملاكين . فالطبيعة المأمور بها لا تعمّ المجمع بما هي مأمور بها . وذلك لا يضرّ بصحّته لو كان عبادةً ، فإنّ صحّه العبادة لا تتوقّف على الأمر ، بل يكفي فيها ثبوت ملاك الوجوب في الفعل كي يكون قابلاً للتقرّب . وقد أشار المصنّف ( رحمه الله ) إلى هذا الوجه بقوله : « بناءً على تبعيّة الأحكام لما هو الأقوى من جهات المصالح والمفاسد واقعاً » . الثاني : أن يصدق عليه عنوان امتثال الأمر . وذلك بأن يقال : « إنّ الأحكام تابعةٌ للمصالح والمفاسد المؤثّرة في الحسن والقبح الفعليّين » . وعليه لا مزاحمة بين جهات المصالح والمفاسد في الواقع ، فلا أثر للملاك الواقعيّ ، بل المؤثّر إنّما هو الملاك الفعليّ الواصل إلى المكلّف ، وهو ما كان ملتفتاً إليه . والملاك الواصل إلى المكلّف في المقام هو الوجوب ، لأنّه ملتفَت إليه ، دون الحرمة . وعليه فيكون المجمع مصداقاً للمأمور به ويصدق على الإتيان به عنوان امتثال الأمر . وهذا الوجه ذكره المصنّف ( رحمه الله ) ولم يرتضه ، حيث قال : « لا لما هو المؤثّر منها . . . » . الثالث : أنّه يصدق عليه عنوان امتثال الأمر حتّى على القول بتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعيّة . وذلك لأنّ العقل لا يرى تفاوتاً بين هذا المجمع الّذي هو فردٌ من أفراد الطبيعة وبين سائر أفرادها في الوفاء بالغرض القائم بالطبيعة المأمور بها . وعندئذ يحكم العقل بتحقّق الامتثال إذا أتي بهذا الفرد بداعي امتثال الأمر بالطبيعة . نعم ، الطبيعة المأمور بها لا تشمل هذا الفرد ، لكن عدم الشمول ليس لعدم المقتضي ، فإنّ المفروض أنّ المقتضي - وهو الوفاء بالغرض - موجودٌ فيه ، بل إنّما هو لوجود المانع - وهو التزاحم - ، فإنّه أوجب عدم شمول الطبيعة بوصف كونها مأموراً بها للفرد المزاحم . وأشار المصنّف ( رحمه الله ) إلى هذا الوجه بقوله : « مع أنّه يمكن أن يقال . . . . » .